التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حبّ الجمال

 بقلم: كريستا تيبت
ترجمة: كنان القرحالي

إنّ القدرة على إدراك الجمال، ذلك الجمال الكامن فيما هو روحيٌ وماديٌ، هي فضيلةٌ تساعدك على الرؤية بشكلٍ أفضلَ، وقد أدركتُ كذلك بأنها السبيل للوصول إلى غيرها من الفضائل؛ كنت أرتكب خطأً فادحاً في عدم تقديري للجمال المرئي في العالم الخارجي، فلم أكن مثلاً أجد متعةً في رؤية شبه صحراء أوكلاهوما ذات الرمال الحمراء سابقاً، ولم يُعلّمني أحدٌ أسماء النباتات والمخلوقات، فيما عدا تلك التي تلسع وتبث السمّ، وأنا لم أبحث أو أسأل، كنت أضع الجنادب في الصناديق الصغيرة لكي أستخدمها في مشاريع العلوم، كما قمت بتخدير عدّة ضفادع؛ كنّا في ذلك الزمن نرمي النفايات من نوافذ السيارات في الشوارع إلى إنْ جاءت ليدي بيرد جونسون وطلبت منا التوقف عن القيام بذلك.
كلّ ما كنت أهتم به حين كنت في برلين في فترة شبابي هو التفاصيل المتعلقة بحياتي الشخصية الداخلية، وجو التآمر السياسي الجغرافي الذي كان يحيط بي. لو سألتَني عن موطن الجمال في حياةٍ ذات معنى في ذلك الوقت، ربما أجبتُ بأنه أمرٌ جيّدٌ ولكنه ليس للجميع، أي لا يمكن أن يكون شغف الجميع، وليس موضوعاً متناسباً مع ما يحيط بنا، كما أنّه غير مبنيٍ على أي دلائلَ واقعيةٍ؛ لدي صناديقٌ مليئةٌ بالأوراق التي كتبتها في المقاهي، ملأتها بالمقالات، والقصص والروايات التي لم أنهيها والتي كتبتها على أوراق ذات حوافٍ منقطة، والكثير من الدفاتر التي اشتريتها لأملأ صفحاتها، ولكنْ لا يوجد فيما كتبتُ الكثير من الأشياء المحسوسة، لن تجد روائح وألواناً وأصوات، بل كل ما تجده هو سماء ألمانيا الرمادية البعيدة وكلماتٌ وأفكار مصفوفةٌ ومكومةٌ فوق المزيد من الكلمات والأفكار.
بدأتُ أبحث وأنظر حولي في اسكتلندا التي زرتها حين بلغت من العمر خمساً وعشرين سنة، نزلت من الطائرة وأنا أشعر بأن طبقاتٍ من السواد لا تتناسب وهذه المنطقة تحيط بي، سحرتني اسكتلندا بزواياها الحادة، وألوانها المتنوعة التي تتدرج بين الأخضر وسواه من الألوان الزاهية، وأضوائها الهائلة النادرة؛ زرعتْ هذه المنطقة في داخلي السكينة وخففت من اضطرابي وقلقي الدائم، وما شعرت به لم يكن مجرد تقديرٍ لتلك الفخامة والعَظَمة بل إدراكاً لحقيقةٍ ثابتة خفّفت مما اعتراني نتيجة تواجدي في ذلك الجو من الاضطراب السياسي الجغرافي، وهذه كانت بداية حياتي الروحية.
أسمع خلال حياتي ومحادثاتي، الكثير عن الجمال طوال الوقت، عن الجمال كشيءٍ متجسدٍ في صيغٍ عدّةٍ، وكشيءٍ واقعي كما السياسة، يتكرر هذا الموضوع كثيراً في المحادثات التي أقيّمها من العلماء خاصةً، فالرياضيون والفيزيائيون، وكل أولئك الذين يعملون في مجال الأرقام والرياضيات، يمتلكون ذخيرةً واسعةً من المفردات التي تعبّر عن الجمال. فإذا وجدوا أنّ معادلةً ما ليست جميلة وأنيقة فسيخبرونك بوقار بأنها غير صحيحةٍ على الأرجح.  في الوقت ذاته، يحاول علماء الفلك والفيزياء الفلكية أن يزرعوا في مخيلتنا صورةً جميلةً للكون من حولنا، وذلك باستخدام التلسكوب والصور ثلاثية الأبعاد وأمواج الراديو.
وعبر السنين، قام المسلمون المشاركون في محادثاتي بالربط بين الجمال والفضائل الروحية: فالجمال فضيلةٌ أخلاقيةٌ أساسيةٌ؛ عرفتُ ذلك، وتلقيته كهديةٍ، خلال السنوات التي تلت أحداث الحادي عشر من أيلول، من بروفسور الحقوق في جامعة كاليفورنيا، خالد الفضل، والذي قابلته في مناقشةٍ عامة مع الحاخام هارولد شولفايز، كان خالد قد عرّض حياته للخطر حين أصدر كتاباً عن مدى الضرر الذي يتسبب به المتطرفون للإسلام وهو الذي ترعرع في مصر والكويت، ونجا من طريق المتشددين في عمرٍ باكر، ويؤكّد أنّه ليكون للإسلام مستقبلٌ زاهر ينبغي أن يعاود المسلمون التمسّك بفضيلة الجمال؛ إذ يقولون في الإسلام أنّ الله جميلٌ يحبّ الجمال، والجمال يكمن في الخلق لا في الدمار، في التوازن، وفي الفكر الإنساني، والقلب الإنساني، وفي قدرة البشر على تطبيق النصوص المقدسة في الخلق والبناء، وفي قدرتهم على الحصول على المعرفة التي تهذّب النفس وتفرحها.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تعالوا نتعرف على كريشنامورتي

بقلم: كنان القرحالي ولد جِدّو كريشنامورتي في الهند عام 1895 في بلدة مَدَنَبلِّي الصغيرة جنوب الهند من أبوين براهمنيين، توفيت والدته وهو ما يزال في العاشرة، وأحيل والده إلى التقاعد ليعيش كريشنامورتي وسط الفقر والفاقة، فنشأ خجولاً انطوائياً، على أنّ والده لحظَ لديه قدرةً غريبةً على الانتباه، إذ لفته تأمل كريشنامورتي الطويل في تشكّل غيوم السماء، محدّقاً في النباتات، أو متربعاً يرصد سلوك النمل. وبعد وفاة الأم انتقلت الأسرة إلى ناحية أدِيار القريبة من مدينة تشيناي، وهناك لفتَ كريشنامورتي وشقيقه نيتيانندا أنظار القائمين على الجمعية الثيوصوفية، وهي منظمة فلسفية روحية تدعو إلى الأخوة الإنسانية الشاملة، إذ لمسوا المواهب والقدرات الروحية الكامنة في الشقيقين، فأخذوا بتدريبهما لكي يكونا معلمَين روحيين، وفي العام 1911 قامت رئيسة الجمعية بتأسيس أخوية "النجمة في الشرق" ونصّبوا كريشنامورتي زعيماً روحياً لها وجعلوا نيتيانندا تلميذه الأوّل. انتقل كريشنامورتي وشقيقه إلى أوروبا بعد إتمامه سنّ السادسة عشر، حيث أقاما في ضواحي باريس، ثم إنكلترا، وفي العام 1922 سافر كريشنامورتي إ...

لا يعني حصولك على تعليم عالي أنك ستعيش حياة جيدة

الاحتيال الأول:  التعليم العالي بقلم مؤلف كتاب أب غني وأب فقير: روبرت كيوساكي لا يعني حصولك على تعليم عالي أنك ستعيش حياة جيدة ترجمها بتصرّف: كنان القرحالي   لمحة ضرورية قبل البدء في القراءة: المقصود بالأب الفقير: هو والد كيوساكي الحقيقي. الأب الغني: مستثمر وهو والد صديق كيوساكي في طفولته، ولتأثره الشديد بأفكاره يعتبره كيوساكي بمثابة والده مالياً.   هناك الكثير من الاحتيال في هذا العالم، وفي معظم الأحيان يمكننا معرفة الاحتيال، مثل تلك الإيميلات التي تردنا، والتي تعدنا بالملايين إذا كتبنا رقم حسابنا المصرفي، وفي بعض الأحيان نقع ضحية المحتالين مثل بيرني مادوف (محتال في بورصة نيويورك). لكن هناك احتيال أكبر وهو:   مدرسة جيدة = النجاح   عندما كنتُ صغيراً أخبرني أبي الفقير أن أفضل طريق للنجاح هو الذهاب إلى المدرسة، وأن هذه أفضل طريقة للحصول على وظيفة جيدة. وقد كان هذا هو الطريق الذي اتبعه هو، فقد كان حاملاً لشهادة الدكتوراه، وكان المشرف على نظام مدارس هاواي.   لكن كانت لديه مشكلة! لقد كان من أكثر الناس تعليماً، ومع ذلك كان يشكو دائ...

فن التفكير بوضوح: وهم جسد السبّاح

قد ترغب بالحصول على جسد رياضي مثالي وتجد ضالتك في جسد السباح، فتتوجه إلى المسبح وتبدأ بالتمرين المنتظم على أمل أن يصبح جسدك مفتولًا وأنيقًا وتمضي الأيام والأسابيع وربما السنين ولن تحصل على جسد السباحين الذي تشتهيه، وذلك لأنك وقعت فريسة لوهم جسد السباح الذي سبب لك الخلط بين عامل الاختيار والنتيجة، فهل يمتلك مايكل فيلبس جسد سباح مثالي لأنه يتدرب أم أنه اختار الاحتراف في رياضة السباحة لامتلاكه هذا الجسد المثالي؟   ويمكن أن يُعمم هذا الأمر على نطاق أوسع، فالنساء يخلطن بين جمال عارضات الأزياء اللاتي يقمن بإعلان تجاري لمستحضرات التجميل وتأثير مستحضرات التجميل، فيهرعن إلى شراء مستحضرات تجميل ليبدون مثلهن، لكن عارضات الأزياء يملكن جسدًا ووجهًا حسنًا في الأصل ولهذا يعملن في مجال الإعلان عن المستحضرات وليس العكس.   وإذا ما توسعنا قليلًا يمكننا الوصول إلى قطاع التعليم، فهل جامعة هارفارد الشهيرة هي من تصنع هؤلاء الخريجين الأذكياء والمتألقين علميًا أم أن أذكى وأفضل الطلاب يختارون جامعة هارفارد؟   إنه لغز قديم مثل لغز من أولًا الدجاجة أم البيضة؟ ولذلك يخدع وهم جسد السباح ...