قصة ورسم: كنان القرحالي
اُشتهر
الإمبراطور الروماني ماركوس تيزوز بقساوة قلبه ووحشيته المفرطة حتى أنّه لُقِب
بماركوس الرهيب، ولم يكن يثق بأحدٍ سوى بشابٍ ضخم الجثة يُدعى فيليب، وقد نال
الشاب حظوته تلك بفضل دفنه سكان إحدى القرى المعادية وهم أحياءٌ يرزقون.
كان
فيليب من أشد المعجبين بالإمبراطور الشهير وكان معلمه الأوحد، ولطالما نهل من
فنونه في الوحشية السياسية والعسكرية، وكان يراقب الامبراطور بعينٍ مفتوحةٍ على
آخرها ليلتقط أي ذرة من هذا الفن المرعب الذي يسمى "سلطة"، وقد لفت
مراقبته وشغفه ذاك مستشاري الامبراطور الذين كانوا يخشون فيليب ويخشون من استغلاله
ثقة الامبراطور فيغدره ذات يوم، فنقلوا للإمبراطور قلقهم هذا، فاستدعى الامبراطور
فيليب على الفور وحدد له موعداً لزيارته في قاعة خاصة بالإمبراطور.
اهتز
قلب فيليب وقد عرف من خبرته بالإمبراطور ونظراته ولهجته أنّ الأمر ليس عادياً،
فتهيأ لكلّ احتمال، وبلّغ بعض المقربين بالعناية بوالديه المسنين في حال حدث مكروه
له، وقد ظنّ هؤلاء أنّ الأمر متعلقٌ بمعركةٍ قريبةِ العهد.
دخل
فيليب القاعة في الساعة التي حددها له الامبراطور، وقد وجده يمشي وحيداً بقلقٍ
شديدٍ، ما جعل قلبه ينتفض رعباً؛ انحنى للإمبراطور وأعلن استعداده لخدمته، فقال
الامبراطور بشكلٍ مباشر:
أنتَ
تعلم يا فيليب مدى محبتي واحترامي لك ولأعمالك، لكنّ أن تكون امبراطوراً يعني ألا
يكون في قلبك ذرة مشاعر، وبما أنّك تراقب ما يصدر مني بعينٍ دقيقة، فقد وددت
إعلامك بما لا يصدر مني أو من غيري من أصحاب عروش.
أضحت
دقات قلب فيليب مسموعةً، وقال مختنقاً:
لطالما
كنت وسأبقى في خدمة عرشك، وسأقدم حياتي من أجل عرش مولاي عندما يتطلب ذلك.
هزّ
الامبراطور رأسه هازئاً، وقال:
ليس هذا
موضوعي، أنت هنا لشأنٍ آخرَ، ثقتك هذه لن تنفعني بالدرجة التي تظنها عندما يجدّ
الجدّ، ما أريده الآن هو أن أريك أنّك لا تعرف الامبراطور الذي تمنحه حياتك
بأكملها!
اضطرب
فيليب كثيراً، وسالت على جبينه قطرات عرقٍ باردةٍ، وهو يتخيّل ما سيفعله
الامبراطور به، دون أن يقدر على تصوّر الدافع الذي يدفع بالإمبراطور للتخلص منه
رغم خدماته الجليلة لعرشه.
توقف
الامبراطور عن المشي جيئة وذهاباً ووقف أمام فيليب مركّزاً عينيه في عيني فيليب،
ثم خلع رداء الامبراطور فجأةً، ورماه على الأرض وكأنّ لا قيمه تُذكر له، ثم أمعن
في عيني فيليب المذهول واستدار، ودون سابق إنذار أخفضَ الامبراطور العظيم سرواله
ليكشف عن مؤخرته!
كادت
عينا فيليب تدوران في مقلتيهما وهما تريان مؤخرة محروقة تماماً! وأطلق فيليب في
أعماقه صرخة حياته: ماذا!؟ مؤخرة الامبراطور ماركوس تيزوز العظيم الرهيب المخيف
المرعب محروقة! ولولا حركة الامبراطور لوقع فيليب مغشياً عليه لكن الامبراطور رفع
السروال مسرعاً وقاده إلى مجلسٍ قريبٍ، وطلب منه الجلوس، ثم قال الامبراطور:
لا تظنّ
أنّ هذا سرّ خطير سيدفعني إلى قتلك يوماً ما، فأنا لا أكترث إن علم الناس بهذا
الأمر، إذ لا يعيني شأن الناس كما تعرف، إنما أكترث بالحكماء وهم يعلمون الحروق الشديدة
التي تُسببها كرسي العرش لأي امبراطور، وبما أنّ اندفاع دمائك الشابة في عروقك
يحجب عنك الحكمة، فقد أردتُ أن أمنحك بعضها بسرعة، إنّك تعلم الآن من هو الرهيب..
إنّه العرش نفسه وليس من يجلس عليه.
