أريد العيش بسعادة في عالم لا أفهمه.
تكون أحداث البجعة السوداء أحداثاً غير منتظمة ذات تبعات
هائلة، وهي أحداث لا يمكن توقعها، وقد يقع مراقب معيّن في فخ هذه الأحداث، فهو لم
يكن ليتوقع حدوثها، وأطلقُ على مثل هذا المراقب تسمية "ديك رومي[1]" ففي النهاية تعتريه
المفاجأة ويصيبه الأذى في آن واحد، وقد سبق وذكرتُ أنّ معظم أحداث التاريخ هي
أحداث بجعة سوداء، لكننا نبني فهمنا على النماذج الاعتيادية ونعمل على تطويرها أو
تقديم النظريات أو المحاضرات التي تقف عاجزةً أمام تعقب تلك الأحداث أو قياس
حجمها.
تستحوذ أحداث البجعة السوداء على أدمغتنا، ما يدفعنا
للشعور بأنّنا "نوعاً ما" أو تقريباً" نتوقع حدوثهم، لكنه مجرّد
فهمٍ للحدث بعد وقوعه، ولذلك لا يمكننا إدراك دور هذه الأحداث في الحياة بسبب وهم
قدرتنا على التوقع، على أنّ الحياة أكثر تعقيداً بكثير، وفيها من المتاهات ما يفوق
ما سجلناه في ذاكرتنا، فعقولنا محصورة في عملية ضبط التاريخ لجعله سلساً وخطياً،
وهو ما يدفعنا للاستخفاف من قدر العشوائية، لكننا نخشاها عندما نراها ونبالغ بردّ
الفعل، وبسبب هذه الخشية والتعطش للنظام، ومن خلال تعطيل بعض النظم البشرية للمنطق
المخفي أو المبهم للأمور، فقد أصبحت تلك النظم
أكثر عرضة للأذى من أحداث البجعة السوداء، فهي تحصل على نظام صوري عندما
تنشد نظاماً، أما النظام الحقيقي والسيطرة فلا يمكن الحصول عليه إلا بتبني
العشوائية.
تتصف النظم المعقّدة بالترابط الذي يصعب كشفه وباستجابات
لاخطية، وتعني "لاخطية" أنّ مضاعفة الجرعة مثلاً لا تعطي نتائج مضاعفة
للجرعة بالضرورة، مثلاً: عندما يتضاعف عدد العاملين في مصنع ما، قد لا نحصل على
ضعف الانتاج، ربما أكثر بكثير وربما أقل بكثير، أيضاً وعلى سبيل المثال: ليس من
الضروري أن تكون عطلتا نهاية أسبوع في فيلادلفيا ممتعة ضعف متعة عطلة نهاية أسبوع
واحدة، وإذا ما تم تمثيل الاستجابة في رسم بياني فإنّها لن تظهر على شكل خط مستقيم
(استجابة خطية) بل ستظهر كمنحني، وعليه لا تكون الارتباطات السببية البسيطة في
محلها في بيئات كهذه، وسيكون من الصعوبة بمكان رؤية كيفية سير الأمور من خلال
التمعن في أجزاء متفرقة.
تميل النظم المعقّدة البشرية الصنع إلى تطوير سلسلة كبيرة
من ردود الأفعال التي تقلل، بل وتقضي حتى على قدرة التوقع، وهو يُسبِب أحداثاً
ضخمةً، لذا يزيد العالم الحديث من معرفته التكنولوجية، إلا أنّه وللمفارقة هذا لا
يجعل الأمور قابلة للتوقع إنما يجعلها غير قابلة للتوقع أكثر وأكثر، وهكذا تزداد
أحداث البجعة السوداء مع ازدياد الأمور الصنعية والابتعاد عن نماذج الطبيعة
والأجداد والضياع في المتانة بسبب مضاعفات تصميم كلّ شيء، إنّنا ضحايا مرض جديد
سندعوه في هذا الكتاب نيومانيا (neomania)، ويدفعنا هذا
المرض لبناء أنظمة بجعة سوداء قابلة للعطب أو الانغماس فيما نسميه
"التقدّم".
هناك فكرة أساسية في الواقع لكنها غائبة إلى حدّ بعيد،
وهي تمثّل الجانب المزعج للبجعة السوداء، ومفادها أنّ احتمالات الأحداث النادرة
غير قابلة الحساب، فنحن لا نعرف عن الفيضانات التي حصلت في مئة عام بقدر ما نعرف
عن تلك التي حصلت في خمسة أعوام، وعندما يتعلق الأمر باحتمالات صغيرة تتضخم أخطاء
النماذج، وكلما كان الحدث أكثر ندرة كلما صعب ترويضه، وبقدر ما نجهل كيفية تكرار
حدوثه، ورغم هذا نجد أنّه وبقدر ندرة الحدث كلما كان هؤلاء "العلماء"
أكثر ثقة في توقع ونمذجة الأمور واستخدام برنامج الباوربوينت في المؤتمرات مع
المعادلات والخلفيات الملونة.
ولحسن الحظّ، إنّ الطبيعة الأم –بفضل تضادها للهشاشة- هي
أفضل خبير في الأحداث النادرة، وأفضل مدير لأحداث البجعة السوداء، فقد نجحت عبر
ملايين السنوات من الوصول إلى هنا دونما تعليمات قيادة أو سيطرة من قبل نخبة
الأكاديميين في الجامعات الأمريكية وهؤلاء المعيّنين من قبل لجنة البحث. إنّ تضاد
الهشاشة ليست مجرّد ترياق لأحداث البجعة السوداء، إذ يجعلنا فهمها أكثر قبولاً
للدور الضروري لتلك الأحداث للتاريخ والتكنولوجيا والمعرفة وكلّ شيء آخر.
من كتاب مضاد الهشاشة للمفكر الأمريكي من أصل لبناني نسيم طالب.
ترجمة: كنان القرحالي
[1]
تتم العناية بالديك الرومي وتغذيته والاهتمام به من قبل المزارع، لذا لا يتوقع
الديك الرومي النهاية المحتومة له على يد المزارع نفسه. (المترجم)
