لو أنّ شكسبير وُلِد وترعرع فوق صخرة نائية في عَرْض
المحيط، لمَا وجد ذكاؤه الحاد مواد خارجية توظِّفه، ولمَا كان بمقدوره ابتكار أي
مادة؛ وما كان ليَجد مؤثرات خارجية من تعاليم وآراء ونماذج وعوامل مُلهِمة ذات
قيمة، فلن يكون باستطاعته أن يبتكر أي مؤثرات؛ وهذا دليل على أنّ شكسبير ما كان
لينتج شيئاً.
ربما لو أنه عاش في تركيا لأَنتج شيئاً يُذكَر، يصل إلى
أعلى حدّ من المؤثرات والارتباطات والنشأة التركية.
ولو عاش في فرنسا ربما لأَنتج شيئاً أفضل، يصل إلى الحد
الأعلى من المؤثرات والنشأة الفرنسية. أما في إنجلترا لكان ارتقى إلى أعلى حدٍّ من
خلال الخدمات الخارجية التي تقدّمها المُثُل العُليا والمؤثرات والنشأة. أما أنا
وأنتَ فلسنا سوى آلات خياطة، يتوجّب علينا أن نُدير محركاتنا، ونبذل قصارى جهدنا،
دون أن نُعير بالاً على الإطلاق لأي غبيٍّ يهزأ بأننا لسنا من مناسج غوبلين".
الشاب: "خلاصة كلامك، لسنا سوى آلات! وبأن الآلات
قد لا تتفاخر بآلية عملها، ولا تطالب بمكافأة شخصية ولا بإطراء أو مديح لقيامها
بذلك، إنه مبدأ مُخزي".
الشيخ: "إنه ليس بمبدأ، بل حقيقة فحسب".
الشاب: "أفترض في هذه الحالة أنَّ قيمة الشجاع لا
تفوق قيمة الجبان؟"
الشيخ: "هل تعني القيمة الشخصية؟ كلا. فالشجاع لا يخلق شجاعته، ولا يحق له أن يشعر بالمفخرة الشخصية لامتلاكه شجاعته، بل يولَد مالكاً لها. فلو فرضنا أنَّ طفلاً وُلِد مالكاً لثروة تُقدَّر بألف مليون دولار، فأين تكمن القيمة الشخصية في ذلك؟ وإنْ فرضنا أنه وُلِد لا يملك شيئاً، فأين تكمن النقيصة الشخصية في ذلك؟ فالأول يكون محلّ تودّد من قِبَل المتملّقين، بينما يُهمَل الآخر ويصير موضع تحقير، فما العِبرة من ذلك كله؟"
الشاب: "لكن قد يحدث أحياناً أنْ يحاول الإنسان
الجبان قَهْر جُبنه فيصبح شجاعاً، ما رأيك في هذا الكلام؟".
الشيخ: "إنّ هذا
يبيّن تفوُّق أثَر التوجيه في اتجاه سليم على التوجيه في اتجاه خاطئ. فالتوجيه
والمؤثرات والتربية التي تحذو منحىً سليماً ينجم عنها نتائج لا يمكن تقدير قيمتها،
وتوجيه قبول المرء الذاتي يكون برفع شأن مُثُله العُليا".
من كتاب ما الإنسان تأليف مارك توين وترجمة كنان القرحالي
