كثيراً ما فقدت أملي في البحث، ليس البحث عن شخص تاه
مني فحسب، بل شعرت أحياناً بفقدان المعنى، فبدا لي أن البشر قلّما تجاوزوا المئة
عام لأنهم ببساطة غير قادرين على ذلك. إنهم يعانون من
فناء نفوسهم وفراغ أرواحهم، فلا يبقى لهم من حرارة الروح ما يدفعهم للاستمرار،
فتراهم يتقدمون في السن وتخبو شرارة عقولهم بفعل الملل الشديد من الطريقة التي
تكرر بها الحياة نفسها، فهم بعد حين لن يفرحوا بابتسامة أو إيماءة لم يروها من
قبل، وأي تغيّر جديد في العالم يردد صدى تغيّرات أخرى سابقة، وستكفّ الأخبار عن
كونها أخباراً جديدة، وستصبح كلمة "أخبار" أشبه بنكتة.
إنّ
كلّ شيء يدور في حلقة مفرغة، تنحدر بدورها ببطء نحو الأسفل، وبينما يكرر الآخرون
الأخطاء ذاتها آلاف المرات تتضاءل رحابة صدرك ثم تتلاشى في النهاية، وتشعر كأنّك
عالق في سماع نفس الأغنية تلحنها نفس الجوقة التي أحببتها قديماً. لكنها الآن
تدفعك إلى تمزيق أذنيك.
وهذا العذب المتواصل كفيل بدفع
المرء إلى الانتحار، وقد راودتني هذه الرغبة بعد وفاة روز، وطوال سنوات كنت أمسك
نفسي عن شراء الزرنيخ من الصيدليات، لكن هذه الرغبة عاودتني مؤخراً.
كم من مرّة وقفت فوق الجسور
حالماً بانعدام الوجود، وقد حاولت أن أضع حدّاً له لكن وعودي لروز ولوالدتي
كبّلتني. لم أكن أحبّ حالتي، فقد كنت وحيداً، ذلك النوع من الوحدة الذي يجعل أعماق
روحك فارغة تصفر فيها الرياح كأنّك صحراء قاحلة. ووحدتي هذه لم تكن يوماً فقدان من
أحب فقط بل خسرت ذاتي أيضاً. لقد خسرت الإنسان الذي كنته عندما كنت مع أحبّتي.
وكما ترون فقد أحببت ثلاثة أشخاص
في هذه الحياة بصدق؛ أمّي وروز وماريون. سلبني الموت اثنتين منهنّ، وبقيت ماريون
حية كأملٍ أخير لي. الحب مرساة وبغيابه سأكون كسفينة جانحة في عرض البحر. غرقت بإدمان المشروب مدفوعاً بتصميمي على إيجاد ماريون حالماً
بإيجاد نفسي أثناء ذلك.
مقطع من رواية كيف توقف الزمن تأليف مات هيغ وترجمة كنان القرحالي
