إن كنا نسعى لأن نكون أكثر حكمةً، لا أكثر ذكاءً فقط،
فلا بدّ أن نحاول أن نعرِف ما هو الحب، كيف يُخلَق ويصبح أكثر عمقاً، كيف يختفي
وكيف يحيا من جديد، أن نعرف ماهيته وما يعود به من خير علينا كأفرادٍ وعلى المجتمع
كذلك. أتوق لجعل صدى هذه الكلمة يتردد في قلوب وآذان الناس بشكلٍ مختلفٍ عما
اعتادوا سماعه، لن يكون أقل تعقيداً، ولكنه مختلفٌ: الحبّ كقوةٍ وضعفٍ، الحبّ
المجتمعي الذي لا يُظهِر فقط ما بين الناس من حميمية، بل كيف يتعايشون سوياً كذلك.
أسعى خلف حبٍّ عمليٍ حسّيٍ، يحوّل الجسدي إلى مدنيّ فلا
يكون حبّاً شهوانياً بل حبّاً متكاملاً قائماً على الشغف، ولأن
الحبّ هو أجمل أفعالنا، فإنّه متطلبٌ، ليس دوماً بل غالباً. إنه يتجاوز ما بيننا
من فجوات، ويساعدنا كذلك على التكيّف معها. إنّه أحد مظاهر الإنسانية الأكثر
جاذبية؛ يبحث معظم الناس عن الحلول السهلة فذلك ما تعلمناه من تقاليدنا وعاداتنا،
كما يختارون الأسهل على الإطلاق، ولكن يبدو جلياً بأنّه علينا الوثوق بما هو صعب.
قال ريلكه لأحد الشعراء صغار السن ذات يوم:
’’كل
شيءٍ في الطبيعة يترعرع ويدافع عن نفسه بأي طريقةٍ متاحةٍ له، ويحاول ألا يكون سوى
ذاته مهما كلف الأمر. لا نعلم سوى القليل، ولكن علينا أن نثق بأنّ ما يشقّ علينا
فعله هو ما يتوجب علينا البحث عنه، إذ أنّه لن يهجرنا. من الصعب أن تعيش وحيداً،
وذلك يعني أنّ الوحدة أمر جيّد، والحبّ أمرٌ صعبٌ، وذلك يعني أنّه جيّدٌ كذلك.
ربما الحبّ هو أصعب المهام الموكلة إلينا على الإطلاق، ربما هو هدفنا الأخير
والأهمّ وكل ما نقوم به من أعمالٍ ليست سوى استعداد له.
الحبّ هو
الفضيلة المثلى، ولكنها أكثر كلمة جُرّدت من معناها وكثر استخدامها فبتنا نقول:
أحبّ هذا الطقس، أحبّ ثوبك. وما فعلنا بتلك الكلمة فعلناه كذلك بهذا الشيء الذي
نسميه ’’حبّ‘‘، بتلك الرابطة الأساسية وذلك الفعل الجميل. لقد جعلناه أمراً خاصاً
لا يتعدى حدود الأسرة الواحدة في حين أنّ سحره يكمن في قدرته على تخطي كل الحدود
القبلية، قدّسنا الحبّ الرومانسي ونسينا أنّ قيمة الحبّ الحقيقية تكمن في قدرتنا
على تقديم الرعاية العملية. إنّنا نعيش الحبّ كشعورٍ وننسى أنّه طريقة حياةٍ، إنّه
تجربةٌ أساسيةٌ يرغب بها الجميع ويسعون إليها.
إننا
نركزّ رغباتنا وخيالاتنا وفرحنا وأحزاننا في الحبّ الذي دعاه الإغريق الحبّ
الغرائزي، ونعتبره أساساً لتعريف ذواتنا، هناك أيضاً نوع آخر من الحب أسموه ’’حبّ
الصداقة‘‘ وآخر يدعونه ’’الرأفة‘‘ ويعني أن تتصرف بودٍّ تجاه غريب أو جار قريب،
فيما تعبّر الكلمة البوذية ’’الحنان الناشئ عن الحبّ‘‘ عن الإحسان الذي نظهره تجاه
الآخرين سواء الغرباء أو الأقرباء، ولكن الأساس الذي ينبع منه هذا الإحسان هو
إحساننا بذواتنا.
تُشبِّه
النصوص الدينية الإحسان بالرحم، وهذا تشبيهٌ جميلٌ إذ أنّه يُظهِر مدى صعوبة كامنة
فيه، لنفكّر بمعنى الرحم بالنسبة للجسد وما يحققه من معجزة تتمثل بتجربة الولادة
الحقيقية، وهو كذلك منبع الحبّ في أسمى أشكاله، إنه مصدر انبعاث الفرح، والمكان
الذي يبدأ فيه التحدي، تحدٍ للتعلم من الأخطاء خلال رحلة الحياة.
من كتاب أن تكون حكيماً: سرّ وفن الحياة للمؤلفة الأمريكية كريستا تيبت وترجمة كنان القرحالي
