التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحبّ من منظور كريستا تيبت


إن كنا نسعى لأن نكون أكثر حكمةً، لا أكثر ذكاءً فقط، فلا بدّ أن نحاول أن نعرِف ما هو الحب، كيف يُخلَق ويصبح أكثر عمقاً، كيف يختفي وكيف يحيا من جديد، أن نعرف ماهيته وما يعود به من خير علينا كأفرادٍ وعلى المجتمع كذلك. أتوق لجعل صدى هذه الكلمة يتردد في قلوب وآذان الناس بشكلٍ مختلفٍ عما اعتادوا سماعه، لن يكون أقل تعقيداً، ولكنه مختلفٌ: الحبّ كقوةٍ وضعفٍ، الحبّ المجتمعي الذي لا يُظهِر فقط ما بين الناس من حميمية، بل كيف يتعايشون سوياً كذلك.

أسعى خلف حبٍّ عمليٍ حسّيٍ، يحوّل الجسدي إلى مدنيّ فلا يكون حبّاً شهوانياً بل حبّاً متكاملاً قائماً على الشغف، ولأن الحبّ هو أجمل أفعالنا، فإنّه متطلبٌ، ليس دوماً بل غالباً. إنه يتجاوز ما بيننا من فجوات، ويساعدنا كذلك على التكيّف معها. إنّه أحد مظاهر الإنسانية الأكثر جاذبية؛ يبحث معظم الناس عن الحلول السهلة فذلك ما تعلمناه من تقاليدنا وعاداتنا، كما يختارون الأسهل على الإطلاق، ولكن يبدو جلياً بأنّه علينا الوثوق بما هو صعب. قال ريلكه لأحد الشعراء صغار السن ذات يوم:

’’كل شيءٍ في الطبيعة يترعرع ويدافع عن نفسه بأي طريقةٍ متاحةٍ له، ويحاول ألا يكون سوى ذاته مهما كلف الأمر. لا نعلم سوى القليل، ولكن علينا أن نثق بأنّ ما يشقّ علينا فعله هو ما يتوجب علينا البحث عنه، إذ أنّه لن يهجرنا. من الصعب أن تعيش وحيداً، وذلك يعني أنّ الوحدة أمر جيّد، والحبّ أمرٌ صعبٌ، وذلك يعني أنّه جيّدٌ كذلك. ربما الحبّ هو أصعب المهام الموكلة إلينا على الإطلاق، ربما هو هدفنا الأخير والأهمّ وكل ما نقوم به من أعمالٍ ليست سوى استعداد له.


الحبّ هو الفضيلة المثلى، ولكنها أكثر كلمة جُرّدت من معناها وكثر استخدامها فبتنا نقول: أحبّ هذا الطقس، أحبّ ثوبك. وما فعلنا بتلك الكلمة فعلناه كذلك بهذا الشيء الذي نسميه ’’حبّ‘‘، بتلك الرابطة الأساسية وذلك الفعل الجميل. لقد جعلناه أمراً خاصاً لا يتعدى حدود الأسرة الواحدة في حين أنّ سحره يكمن في قدرته على تخطي كل الحدود القبلية، قدّسنا الحبّ الرومانسي ونسينا أنّ قيمة الحبّ الحقيقية تكمن في قدرتنا على تقديم الرعاية العملية. إنّنا نعيش الحبّ كشعورٍ وننسى أنّه طريقة حياةٍ، إنّه تجربةٌ أساسيةٌ يرغب بها الجميع ويسعون إليها.

إننا نركزّ رغباتنا وخيالاتنا وفرحنا وأحزاننا في الحبّ الذي دعاه الإغريق الحبّ الغرائزي، ونعتبره أساساً لتعريف ذواتنا، هناك أيضاً نوع آخر من الحب أسموه ’’حبّ الصداقة‘‘ وآخر يدعونه ’’الرأفة‘‘ ويعني أن تتصرف بودٍّ تجاه غريب أو جار قريب، فيما تعبّر الكلمة البوذية ’’الحنان الناشئ عن الحبّ‘‘ عن الإحسان الذي نظهره تجاه الآخرين سواء الغرباء أو الأقرباء، ولكن الأساس الذي ينبع منه هذا الإحسان هو إحساننا بذواتنا.

تُشبِّه النصوص الدينية الإحسان بالرحم، وهذا تشبيهٌ جميلٌ إذ أنّه يُظهِر مدى صعوبة كامنة فيه، لنفكّر بمعنى الرحم بالنسبة للجسد وما يحققه من معجزة تتمثل بتجربة الولادة الحقيقية، وهو كذلك منبع الحبّ في أسمى أشكاله، إنه مصدر انبعاث الفرح، والمكان الذي يبدأ فيه التحدي، تحدٍ للتعلم من الأخطاء خلال رحلة الحياة.

من كتاب أن تكون حكيماً: سرّ وفن الحياة للمؤلفة الأمريكية كريستا تيبت وترجمة كنان القرحالي

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تعالوا نتعرف على كريشنامورتي

بقلم: كنان القرحالي ولد جِدّو كريشنامورتي في الهند عام 1895 في بلدة مَدَنَبلِّي الصغيرة جنوب الهند من أبوين براهمنيين، توفيت والدته وهو ما يزال في العاشرة، وأحيل والده إلى التقاعد ليعيش كريشنامورتي وسط الفقر والفاقة، فنشأ خجولاً انطوائياً، على أنّ والده لحظَ لديه قدرةً غريبةً على الانتباه، إذ لفته تأمل كريشنامورتي الطويل في تشكّل غيوم السماء، محدّقاً في النباتات، أو متربعاً يرصد سلوك النمل. وبعد وفاة الأم انتقلت الأسرة إلى ناحية أدِيار القريبة من مدينة تشيناي، وهناك لفتَ كريشنامورتي وشقيقه نيتيانندا أنظار القائمين على الجمعية الثيوصوفية، وهي منظمة فلسفية روحية تدعو إلى الأخوة الإنسانية الشاملة، إذ لمسوا المواهب والقدرات الروحية الكامنة في الشقيقين، فأخذوا بتدريبهما لكي يكونا معلمَين روحيين، وفي العام 1911 قامت رئيسة الجمعية بتأسيس أخوية "النجمة في الشرق" ونصّبوا كريشنامورتي زعيماً روحياً لها وجعلوا نيتيانندا تلميذه الأوّل. انتقل كريشنامورتي وشقيقه إلى أوروبا بعد إتمامه سنّ السادسة عشر، حيث أقاما في ضواحي باريس، ثم إنكلترا، وفي العام 1922 سافر كريشنامورتي إ...

لا يعني حصولك على تعليم عالي أنك ستعيش حياة جيدة

الاحتيال الأول:  التعليم العالي بقلم مؤلف كتاب أب غني وأب فقير: روبرت كيوساكي لا يعني حصولك على تعليم عالي أنك ستعيش حياة جيدة ترجمها بتصرّف: كنان القرحالي   لمحة ضرورية قبل البدء في القراءة: المقصود بالأب الفقير: هو والد كيوساكي الحقيقي. الأب الغني: مستثمر وهو والد صديق كيوساكي في طفولته، ولتأثره الشديد بأفكاره يعتبره كيوساكي بمثابة والده مالياً.   هناك الكثير من الاحتيال في هذا العالم، وفي معظم الأحيان يمكننا معرفة الاحتيال، مثل تلك الإيميلات التي تردنا، والتي تعدنا بالملايين إذا كتبنا رقم حسابنا المصرفي، وفي بعض الأحيان نقع ضحية المحتالين مثل بيرني مادوف (محتال في بورصة نيويورك). لكن هناك احتيال أكبر وهو:   مدرسة جيدة = النجاح   عندما كنتُ صغيراً أخبرني أبي الفقير أن أفضل طريق للنجاح هو الذهاب إلى المدرسة، وأن هذه أفضل طريقة للحصول على وظيفة جيدة. وقد كان هذا هو الطريق الذي اتبعه هو، فقد كان حاملاً لشهادة الدكتوراه، وكان المشرف على نظام مدارس هاواي.   لكن كانت لديه مشكلة! لقد كان من أكثر الناس تعليماً، ومع ذلك كان يشكو دائ...

فن التفكير بوضوح: وهم جسد السبّاح

قد ترغب بالحصول على جسد رياضي مثالي وتجد ضالتك في جسد السباح، فتتوجه إلى المسبح وتبدأ بالتمرين المنتظم على أمل أن يصبح جسدك مفتولًا وأنيقًا وتمضي الأيام والأسابيع وربما السنين ولن تحصل على جسد السباحين الذي تشتهيه، وذلك لأنك وقعت فريسة لوهم جسد السباح الذي سبب لك الخلط بين عامل الاختيار والنتيجة، فهل يمتلك مايكل فيلبس جسد سباح مثالي لأنه يتدرب أم أنه اختار الاحتراف في رياضة السباحة لامتلاكه هذا الجسد المثالي؟   ويمكن أن يُعمم هذا الأمر على نطاق أوسع، فالنساء يخلطن بين جمال عارضات الأزياء اللاتي يقمن بإعلان تجاري لمستحضرات التجميل وتأثير مستحضرات التجميل، فيهرعن إلى شراء مستحضرات تجميل ليبدون مثلهن، لكن عارضات الأزياء يملكن جسدًا ووجهًا حسنًا في الأصل ولهذا يعملن في مجال الإعلان عن المستحضرات وليس العكس.   وإذا ما توسعنا قليلًا يمكننا الوصول إلى قطاع التعليم، فهل جامعة هارفارد الشهيرة هي من تصنع هؤلاء الخريجين الأذكياء والمتألقين علميًا أم أن أذكى وأفضل الطلاب يختارون جامعة هارفارد؟   إنه لغز قديم مثل لغز من أولًا الدجاجة أم البيضة؟ ولذلك يخدع وهم جسد السباح ...