علينا النظر إلى علاقاتنا
كما هي الآن، كلّ يوم، وبالتمعن في ملاحظتها سنكتشف كيفية إحداث تغييرٍ في هذا
الواقع، لذا فنحن نصف حقيقة الأمر في أنّ كلّ مرءٍ يعيش عالمه الخاص، طموحه الخاص،
وشجعه وخشيته ورغبته في النجاح وغيره؛ وهكذا فأنت تعلم ما يجري بالضبط، أنا متزوج،
إذاً لديّ مسؤوليات وأطفال وواجبات أخرى، أذهب إلى المكتب أو العمل ونلتقي بعضنا
الآخر الزوج والزوجة، الذكر والأنثى، في
السرير!
وهذا ما نطلق عليه الحبّ!
العيش حيواتٍ مستقلةً ومعزولةً وبناء جدراً من المقاومة حول أنفسنا، ومتابعة
أنشطتنا المتمحورة حول ذواتنا، وسعينا نحو الأمان النفسي، والاعتماد على بعضنا
البعض ابتغاء راحتنا ومتعتنا وتأمين رفقة لنا، لأنّ كلّ واحدٍ منّا وحيدٌ للغاية،
وكلٌّ منّا يريد أن يكون محبوباً ومدللاً، ويحاول الهيمنة على الآخر.
يمكنك أن ترى ذلك
بوضوح في نفسك، إذا ما تمعنت في نفسك، هل هناك أي نوع من العلاقات الحقيقية؟ ليس
هنالك من علاقةٍ بين إنسانين، ولو كان لديهما أطفال ومنزل، لكن لا رابطة حقيقية
تجمعهم، ربما لديهما مشروعٌ مشتركٌ، وهو ما يحافظ عليهما سويةً، على أنّ هذا لا
يرقى إلى مفهوم العلاقة.
وبإدراك ما سبق، سيجد
المرء أنّه لا وجود لعلاقةٍ بين إنسانين، ومن هنا يبدأ الفساد، لا في الهيكل الخارجي
للمجتمع، ولا في الظاهرة الخارجية للتلوث، إنما في تلوث ودمار وفساد البشر
الداخلي؛ وعندما لا يكون هناك علاقاتٌ حقيقيةٌ بين البشر كما هو الواقع لديك
أيضاً، فإنّك قد تمسك يد إحداهن، وتقبلان بعضكما البعض وتنامان على سريرٍ واحدٍ،
لكن إن تمعنت بدقةٍ في الأمر، هل ستجد أية علاقةٍ بينكما؟ فالعلاقة لا تعني
الاعتماد على بعضنا الآخر، ولا تعني الهروب من الشعور بالوحدة عبر الآخر، وليست في
محاولة العثور على الراحة والصحبة من خلال الآخر.
عندما تسعى لنيل الراحة من خلال الآخر، فأنت تابعٌ
عملياً وكلّ ما يترتب عليه إثر هذه التبعية، فهل في هذا أي نوعٌ من العلاقة؟ أم
أنّك تود استغلال الآخر؟
الحبّ كما نعرفه مرتبطٌ
بالجنس والمتعة، أليس كذلك؟ سيقول بعضكم: "لا" وعندما تقول
"لا" يجب أن تكون دون طموحٍ، وبالتالي لا يجب أن تكون خاضعاً لمعايير
المنافسة، ولا تعرف التشتت كما نعرفه أنا وأنت والجميع من حولنا، يجب ألا يكون
هناك انقسامٌ بسبب المفاهيم الوطنية أو العقائدية أو المعرفية، عندها فقط يمكنك القول أنّك تحبّ،
لكن الحبّ مرتبط بالنسبة لمعظم الناس بالجنس والمتعة والمشاعر المرهقة المصاحبة له
من: غيرةٍ وحسدٍ وعداوةٍ، تعلمون ما يحصل بين الرجل والمرأة، وعندما لا تكون تلك
العلاقة صحيحةً وحقيقيةً وعميقةً ومنسجمةً، فكيف للسلام أن يحلّ في العالم؟ كيف
للحرب أن تعرف نهايةً لها؟
إذاً، العلاقات واحدة من
أكثر الأمور، وربما الأهم، في الحياة، وهذا يعني أنّ على المرء فهم ماهية الحبّ.
بالتأكيد ينحو المرء اتجاه الحبّ بغرابةٍ دون أن يطلبه، لكن عليه فهمه جيداً -لا
من الناحية النظرية ولا اللفظية- إنما إدراك حقيقته: ألا يكون لدينا عقلٌ تنافسيٌ
وطموحٌ، عقلٌ يتضوّر للإنجاز، عقلٌ يقارن ويقلّد؛ عقلٌ كهذا قد لا يستطيع أن
يحبَّ!
من كتاب صحوة الذكاء تأليف كريشنامورتي وترجمة كنان القرحالي
