أحضرت
باندورا صندوقها[1]
(الذي يحوي الشرور) وفتحته، كان ذلك الصندوق هدية آلهة الإغريق للبشر، هدية ذات
مظهر مغري حتى أنّه سُمّيَ "صندوق السعادة"، وما أن فتحته حتى خرجت
الشرور، لتحلّق الشرور المنطلقة منذ ذلك الحين إلى زمننا الراهن وتسيء إلى الإنسان
في الليل والنهار، ولم يبقَ في الصندوق من الشرور سوى واحدة، إذ أغلقت باندورا
الصندوق عليها بناء على طلب زيوس، وما زال الإنسان حتى اليوم يحتفظ بصندوق السعادة
هذا في المنزل وهو يُهنئ نفسه على الكنز الذي بداخله، وهذا الكنز بتصرفه وخدمته
وهو يلجأ إليه عند الحاجة، فهو لا يعلم أنّ صندوق باندورا هو صندوقٌ للشرور، ولذلك
فهو ينظر إلى هذا الشرّ الوحيد المتبقي كأعظم مصدر للسعادة، إنّه الأمل؛ وقد اعتزم
زيوس أن يستمر الإنسان رغم الشرور المحيطة مستمراً في العيش فلا ينهي حياته، إنما
يواصل العيش بائساً، ولهذا الغرض مُنِح الأمل للإنسان، وهو في الحقيقة أعظم الشرور
لأنّه يطيل محنة الإنسان.
من كتاب إنسان مفرط في إنسانيته تأليف فريدريك نيتشه وترجمة كنان القرحالي
صفحة الكتاب على goodreads
