شيري جاكوبسون
المقال من كتاب تعلم أن تقول لا
اختيار وترجمة: كنان القرحالي
"لا" كلمة بسيطة لكنها ذات قوة واضحة، ومن المفارقة ألا تجد مشكلة في استخدامها لدى الصغار، إذ يقولون لك بكل وضوح: لا، لا يمكنك الحصول على لعبتي أو لن أعطيك إياها، أو لا أريد تناول هذا الطعام، أو لا أريد الذهاب معك. لكن ثمة مشكلة واضحة في استخدامها لدى البالغين، بل ثمة حساسية بالغة في قولهم لا، وقولها يستلزم جهداً هائلاً، وإذا قالوها تكون نسخة مخففة يمكن الالتفاف عليها من قبل الآخرين، وفرض ما يريدونه.
لقد نشأنا على أن قول نعم يحمل طابعاً من التهذيب واللياقة الاجتماعية لأن رفض طلب الآخرين أمر غير محبّذ، فتجدنا نقول نعم للدعوات التي لا نود تلبيتها، والسهرات التي لا نحبها، والنشاطات التي تزعجنا، والطعام الذي لا نشتهيه، والأعمال التي لا نطيقها، والقائمة تطول وتطول.
كيف ينتهي الأمر بشخص لا يستطيع أن يقول "لا" للآخرين؟ وما التكلفة النفسية التي عليه أن يدفعها لإرضائهم؟ ولماذا لا يمكنه أن يرفض فحسب؟ يرتبط عدم القدرة على الرفض بصورة مباشرة إلى الحاجة للحصول على رضا الآخرين، إنه نوع من التوق إلى سماع آراء إيجابية من الآخرين أو عدم تخييب ظنّهم بنا.
ينبع هذا التوق من الطفولة، فالطفل يريد الحصول على الحب بأي ثمن، وهو مستعد للتنازل عن الكثير ليحصل على الحب من أهله. يريد أن يرضيهم ليربتوا على كتفه ويقولوا له: برافو، أو كي يحضنوه ويثنوا عليه. هذا ما يفعله الآباء بلا وعي، فهم يريدون الأفضل لأطفالهم، لكنهم يشترطون عليهم التزامات وأمور لا يريدها الطفل مقابل أن يثنوا عليه ويمنحوه القُبل وعبارات الرضا.
فيما يلي أمثلة عن الأبوة والأمومة التي تدفع بالأبناء إلى إرضاء الناس:
· الأبوة الصارمة
حيث يكافئ الأبوان أطفالهما على تلبية التوقعات وإنجاز المطلوب بغض النظر عن إرادة الأطفال، وهما يبديان الاستياء البالغ إن لم يفعل أطفالهما ما طُلِب منهم.
· الأبوة المترددة
حيث يكون الأبوان متساهلان أحياناً ومتطلبان كثيراً في أحيان أخرى، وهنا يجد الأبناء أنفسهم في حيرة لكنهم يفضلون التوافق مع متطلبات الوالدين تفادياً لغضبهما.
· الأبوة المشتتة
حيث يعاني أحد الأبوين من اكتئاب أو ضغط حياتي كبير أو علاقة صعبة أو مرض ما، وهنا يحاول الأبناء تلبية احتياجاته في محاولة لتخفيف صعوبة حالته، أو كيلا يشكلوا ضغطاً إضافياً عليه أو ليشعروه بالمحبة والرعاية.
· الأبوة المجروحة
حيث يكون الوالدين أنفسهما ضحية مشاكل مع آبائهم سابقاً، ويفرضون إيقاعاً معيّناً على الأسرة في محاولة منهما لتفادي ماضيهما. أي أنهما لا يحلان مشاكلهما الشخصية مع آبائهم داخل أنفسهم إنما يحاولان حلّها باستخدام أطفالهم.
· الأبوة المشوهة
حيث لا يحب أحد الوالدين نفسه، ويستخدم طفله لدعم احترامه لذاته، وفي جو كهذا يريد الآباء من أطفالهم أن يعوّضوا النقص الذي يشعرون به ليعيدوا بناء صورتهم أمام أنفسهم وأمام المجتمع، وهذا ما يجعل الأبناء واقعين تحت ضغط شديد هدفه إرضاء الوالدين والمجتمع.
وكما رأينا يلعب جو الأسرة دوراً هائلاً في عدم قدرة الكثيرين على قول "لا"، لكن علينا ألا نغفل تأثير المجتمع والبيئة والثقافة المحلية في هذا الموضوع. وعلى سبيل المثال تفرض الكثير من المجتمعات المحلية العديد من التعليمات الصارمة التي تجعل من قول لا أمراً صعباً للغاية في كثير من المسائل. كما أن هذا سائد في البيئات الفقيرة، وعلى سبيل المثال إذا كنت معيلاً لأبويك، فلن تقول لا للعمل الجائر ذي الأجر الضئيل، ولن ترفض طلبات والديك كيلا تشعرهما بالإحراج.
علينا العودة إلى الطفولة، لأن فهم ماضينا يساعدنا على تقوية خياراتنا الحالية، وعندما نفهم أنفسنا ونقاط ضعفنا سنتمكن من قول لا للأمور التي لا نريدها بكل تهذيب، وسنقول نعم لما من شأنه أن يضفي البهجة على قلوبنا.
لا بديل عن تعلم قول "لا" لكل ما يمس قيمنا وأهدافنا، ومن هنا يبدأ البناء الصحيح، أما أن نقول نعم لمجرّد ألا نؤذي مشاعر الآخر، فهذا نوع من التضحية لا مبرر له، وهو لا يسعدنا ولا يلهمنا ولا يدفعنا إلى الأمام.
