الأعمى الذي غيّر رسالته التسويقية: مبدأ التباين
بيتر مايكلز
من كتاب سيكولوجية التسويق
إعداد وترجمة: كنان القرحالي
عاد رائد الإعلانات الأسطوري روسر ريفز بصبحة زميله بعد ظهر أحد الأيام إلى المكتب بعد تناول طعام الغذاء في سنترال بارك، وفي طريقهما شاهدا رجلاً أعمى يتوسل المال، وقد حمل كوباً فيه القليل من العملات المعدنية الصغيرة، وقد وضع بجانبه لوحة من الورق المقوى كُتِبَ عليها بخط اليد كلمتين فقط:
"أنا أعمى".
توقف روسر للحظة، وقال لزميله: "أعتقد أنني قادر على مساعدة هذا الرجل في جمع المزيد من التبرعات، ولا يلزمني الأمر أكثر من إضافة ثلاث كلمات فقط إلى هذه اللوحة".
يبدو أن روسر يعرف شيئاً عن كيفية تحريك الناس في اتجاه معيّن، وبدا واثقاً من قدرته على مساعدة الرجل في الحصول على تبرعات أكثر، ولذلك سأل الرجل الأعمى إن كان يرغب في إحداث تغيير على لافتته، فوافق الرجل على الفور.
أخرج روسر قلمه، وأضاف ثلاث كلمات إلى عبارة "أنا أعمى"، وتراجع مع زميله بعيداً قليلاً ليرى ما سيحدث. وفعلاً، بعد دقائق أخذ المارة بإلقاء النقود في الكوب، وفي غضون خمس دقائق حصل الرجل على تبرعات ضعف ما كان يحصل عليه خلال يوم كامل.
ومع تزايد أعداد المتبرعين، وسماع الأعمى لرنين العملات الملقاه في الكوب، بدأت معالم السعادة بالظهور على محيا الأعمى. راقب روسر الأمر مبتسماً، وعاد إلى المكتب بعد أن أظهر مدى فعالية مبدأ التباين.
لكن ما هي الكلمات الثلاث التي أضافها إلى اللافتة، والتي دفعت الناس للشفقة على الأعمى وتقديم المزيد من التبرعات؟
لقد أضاف كلمات "إنّه فصل الربيع". وهذا كل شيء! تقول اللافتة الآن: "إنّه فصل الربيع وأنا أعمى".
توضح هذه القصة البسيطة قوة مبدأ التباين، ومدى سهولة الاستفادة من هذه القوة بمجرّد تعديل بسيط للرسالة التسويقية الأصلية.
لم يحتج روسر لإضافة أي شيء معقّد أو خيالي للافتة، إنما أضاف تناقضاً فحسب، وهو ما أطر محنة الرجل بطريقة استجاب الناس لها على الفور، إذ لم يتأثر المارة قبل الإضافة بوجود رجل أعمى في الشارع، فهو مجرّد رجل أعمى يتوسل، أما الآن فقد رأوا شخصاً بحاجة إلى المساعدة، فهو لم يكن قادراً على رؤية هذا اليوم الربيعي الجميل من أيام ربيع نيويورك الذي يأخذه الجميع بوصفه أمراً مُسَلماً به، وهذا ما أثّر بهم ودفعهم للتبرع.
في بعض الأحيان، تكون التغييرات ذات الفعالية الأكبر في التسويق هي الأبسط. ولذلك يعد مبدأ التباين أداة رائعة لاستخدامها في كتابة الإعلانات، فهو يضيف وزناً إلى عرضك بسرعة.
يستجيب الناس جميعاً للتباين، فهو يثير اتصالات سريعة في أدمغتنا، ولذلك نفهم بسرعة وبوضوح الرسالة التسويقية التي تنطوي على تباين. تكمن الفكرة في إعادة تأطير الرسالة التسويقية، بحيث ينظر الناس إلى العرض نفسه من منظور مختلف تماماً.
إذا كان لديك منتجات تبيعها، فيمكنك مقارنة الفرق في صفحة التسعير. كل ما أنت بحاجة إليه هو تأطير كل حزمة بطريقة تروق لشريحة مختلفة من الناس لتجذب انتباه أكبر عدد منهم، فبعض الناس يريدون حزمة خدمات مميزة بحيث تناسب احتياجاتهم، فيما يريد آخرون توفير المال من خلال الحصول على حزمة أساسية أرخص.
يمكنك تشجيع الناس على منتجك ببساطة من خلال استخدام مبدأ التباين، بأن تعرض وضع العميل بلا منتجك. وإذا كنتَ مدرباً أو مستشاراً يُقدِّم خدمة شخصية قابلة للتخصيص وفق احتياجات عميلك، فعليك مقارنة تلك الخدمة بخدمة محدودة غير قابلة للتخصيص.
ربما لا تقيّد عملاءك بعقد، وربما يتعاملون معك مباشرة بلا وسطاء أو موظفي مبيعات، لذا اشرح كيف يختلف هذا عما سيحصلون عليه في أي مكان آخر (نقيض خدمتك المباشرة)، ولماذا هذه الخدمة بمثابة أخبار جيدة لهم (الفائدة منها).
إنّ مبدأ التباين مؤثر جداً في الإعلانات المرئية، وسنورد مثالاً بسيطاً. انظر إلى هذه الصورة لأطول رجل معروف على الإطلاق: روبرت وادلو من ألتون في إلينوي في الثلاثينيات من القرن الماضي:
توضح الصورة أنّه رجل طويل جداً، أليس كذلك؟ لكن ما رأيكم بإضافة بسيطة تضفي شعوراً لا يُنسى لدى المتلقي. هذه هي الصورة الكاملة له مع والده:
يبدو طول روبرت هنا مثيراً للإعجاب أكثر بكثير بمجرّد وجود والده ذي الطول المتوسط بجانبه. هذا مثال مرئي يوضح قوة التباين لدى المتلقي، لذلك في المرة القادمة التي تحتاج فيها لإقناع القراء بعد مقاومة عرضك، تذكّر استخدام مبدأ التباين. أطّر عرضك بطريقة توصله بطريقة لا تُقاوم، أضف ما يشير إلى التباين إن كان من ناحية السرعة أو الرخص أو الحجم أو الجودة، وستكون النتائج أفضل بكثير.
إنها قوة كبيرة استخدمها لصالحك، وراقب كيفية استجابة العملاء المحتملين لها.