التخطي إلى المحتوى الرئيسي

إغراء التشاؤم

إغراء التشاؤم

من كتاب سيكولوجية المال - مورجان هاوس - ترجمة كنان القرحالي

 

يبدو التفاؤل وكأنه عرض ترويجي.

يبدو التشاؤم وكأنه شخص يحاول مساعدتك.

 

"لأسباب يتعذّر عليّ فهمها، يحب الناس سماع أن العالم يمضي إلى الجحيم".

-المؤرخ ديردري ماك كلوسكي


 
إن التفاؤل أفضل رهان لمعظم الناس لأن العالم في تحسن من وجهة نظر معظم الناس وفي معظم الأوقات، لكن للتشاؤم مكانة خاصة في قلوبنا. التشاؤم ليس شائعًا أكثر من التفاؤل فحسب، بل يبدو أذكى منه.

إنه آسر فكريًا، ويحظى باهتمام أكبر من التفاؤل الذي يُنظر إليه كثيرًا على أنه غافل عن المخاطرة.

قبل أن نمضي أبعد من ذلك يجب أن نحدد ماهية التفاؤل. لا يعتقد المتفائلون الحقيقيون أن كل شيء سيكون على ما يرام، فهذا رضا عن النفس. التفاؤل هو اعتقاد احتمالات تحقيق نتيجة جيدة لمصلحتك بمرور الزمن، ولو كانت هناك نكسات على طول الطريق.

 

إن أساس التفاؤل هو الفكرة البسيطة المتمثلة في استيقاظ معظم الناس في الصباح ليحاولوا جعل الأمور أفضل قليلًا، وذات إنتاجية أكبر بدلًا من الاستيقاظ بحثًا عن المشكلات. التفاؤل ليس معقّدًا، وليس مضمونًا أيضًا، إنما هو رهان معقول لمعظم الناس، وفي معظم الأوقات. صاغ الإحصائي الراحل هانز روسلينج الأمر صياغة مختلفة: "أنا لست متفائلًا، إنما أنا واقعي وأدرس الاحتمالات".

يمكننا الآن مناقشة شقيق التفاؤل، والذي يحظى بجاذبية أكبر: التشاؤم.

***
 

29 ديسمبر من عام 2008.

إن أسوأ عام للاقتصاد في التاريخ الحديث على وشك الانتهاء. انهارت أسواق الأسهم في جميع أنحاء العالم. كان النظام المالي العالمي يعتمد على دعم الحياة اليومي، وكانت البطالة في ارتفاع.

وحيث بدت الأمور وكأنها تزداد سوءًا نشرت صحيفة وول ستريت جورنال قصة تجادل فيها بأننا لم نرَ شيئًا بعد، ونشرت مقالًا في الصفحة الأولى عن رؤية بروفسور روسي يُدعى إيغور بانارين، والذي تنافس آراؤه الاقتصادية أفكار كتّاب الخيال العلمي. كتبت الصحيفة:

"يقول [بانارين] في نهاية شهر يونيو من عام 2010، أو أوائل يوليو ستنقسم الولايات المتحدة إلى ستة أجزاء –مع عودة ألاسكا إلى السيطرة الروسية... ستشكل كاليفورنيا نواة ما يسميه ’جمهورية كاليفورنيا‘، وستكون جزءًا من الصين أو تحت التأثير الصيني. ستكون تكساس قلب ’جمهورية تكساس‘ وهي مجموعة من الولايات التي ستنضم إلى المكسيك، أو تقع تحت النفوذ المكسيكي. وستكون واشنطن العاصمة ونيويورك جزءًا من’ أمريكا الأطلسية‘ التي قد تنضم إلى الاتحاد الأوروبي، أما كندا فستنتزع مجموعة من الولايات الشمالية التي يسميها البرفسور بانارين ’جمهورية أمريكا الشمالية الوسطى‘، ويرى أن هاواي ستكون محمية لليابان أو الصين، وأن ألاسكا ستلتحق بروسيا".

لم يكن هذا اللغو في مدونة غير معروفة أو في نشرة إخبارية مستهلكة، إنما كان على الصفحة الأولى من أكثر الصحف المالية شهرة في العالم.

لا بأس أن نكون متشائمين بشأن الاقتصاد، بل لا بأس حتى أن يكون المرء من الذين ينذرون بالهلاك. التاريخ مملوء بالأمثلة عن بلدان لا تعاني من الركود فحسب، بل من التفسخ والتفكك.

ما يثير الاهتمام في قصص بانارين هو أن نقيضها التام –توقعات التفاؤل الشديد-نادرًا ما يؤخذ على محمل الجد مثل نذيري الشؤم.

خذ مثالًا اليابان في أواخر الأربعينيات من القرن المنصرم. دُمِرت الأمة إثر هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، وقد دُمِرت اقتصاديًا وصناعيًا وثقافيًا واجتماعيًا. سبب شتاء قاسٍ في عام 1946 مجاعة حدت من تناول الطعام ليصبح معدل السعرات الحرارية للفرد في اليوم أقل من 800 سعرة. تخيّل لو أن أكاديميًا يابانيًا قد كتب مقالًا في إحدى الصحف خلال هذه المدة، حيث جاء فيه:

"ابتهجوا جميعًا، ففي أمد حياتنا سينمو اقتصادنا ليتضاعف قرابة 15 ضعفًا عما كان عليه قبل نهاية الحرب، وسيكون العمر المتوقع ضعف العمر السائد. أما عوائد سوق الأسهم فستشهد ارتفاعًا قل نظيره في التاريخ، وسيمضي أربعون عامًا حيث لن يتجاوز معدل البطالة 6%، وسوف نصبح رواد العالم في مجال الابتكارات الإلكترونية والنظم الإدارية للشركات. ولن يطول الأمر حتى نصبح أغنياء وسنمتلك بعض أغلى العقارات في الولايات المتحدة. وبالمناسبة، سيكون الأمريكيون أقرب حلفائنا، وسيحاولون استنساخ رؤيتنا الاقتصادية".

كان من الممكن لمن يسمع هذه التوقعات أن يهرع خارج الغرفة لينفجر ضاحكًا في الخارج، وليطلب فحصًا طبيًا لمن توقعها.

ضع في حسبانك أن الوصف أعلاه هو ما حدث فعلًا في اليابان في الجيل التالي للحرب، ولكن بخلاف توقعات بانارين، تبدو هذه التوقعات سخيفة فيما لا تبدو توقعات بانارين كذلك.

يبدو التشاؤم أذكى وذا منطق أكبر من التفاؤل.

أخبر أي شخص بأن كل شيء سيكون عظيمًا، وستُقابل بالتجاهل أو بنظرة مشككة، لكن إذا أخبرت شخصًا ما أنه في خطر، فإنه سيعيرك كامل انتباهه.

إذا أخبرني شخص ذكي أن لديه أسهمًا سترتفع 10 أضعاف في العام المقبل سأعد ما قاله محض هراء. أما إذا قال لي شخص تافه إن أسهمي على وشك الانهيار بسبب الاحتيال المحاسبي، فإنني سأترك جدول مواعيدي جانبًا وأنصت إلى كل كلمة يقولها.

قل إننا سنواجه ركودًا كبيرًا وستتصل الصحف بك، لكن قل إننا نتجه إلى نمو متوسط ولن يكترث أحد لك. قل إننا نقترب من الكساد الكبير القادم، وستظهر على شاشة التلفاز، لكن اذكر أن الأوقات الجيدة مقبلة، وأن الأسواق ستعمل عملًا جيدًا، أو أن شركة ما تتمتع بإمكانات هائلة، وسيكون رد الفعل الشائع من المعلقين والمشاهدين على حد سواء هو أنك إما مندوب مبيعات أو أنك بمعزل عن المخاطر.

لقد عرفت صناعة الرسائل الإخبارية الاستثمارية هذا منذ سنوات، وهي الآن تعج بنذيري الشؤم مع عملها في بيئة ارتفعت فيها البورصة 17,000 ضعف في القرن الماضي (بما في ذلك توزيعات الأرباح).

يتجاوز هذا مجال التمويل، وقد كتب مات ريدلي في كتابه المتفائل العقلاني[1]:

"إن قرع طبول التشاؤم قرعًا ثابتًا يحجب أي أغنية حماسية... إذا قلت إن العالم في تحسن قد يُنظر إليك على أنك ساذج ومتبلد المشاعر، أما إذا قلت إن العالم سيستمر في التحسن فستُعد مجنونًا، ومن جهة أخرى إذا قلت إن الكارثة وشيكة، فقد تتوقع جائزة ماك آرثر للعبقرية، أو حتى جائزة نوبل للسلام. في حياتي الشخصية... تغيّرت الأسباب العصرية للتشاؤم، لكن التشاؤم كان ثابتًا على الدوام".

كتب هانز روسلينج في كتابه الوقائع[2]: "تعتقد كل مجموعة من الأشخاص الذين أسألهم أن العالم مرعب وعنيف وميئوس منه –دراماتيكي أكثر باختصار- أكثر مما هو عليه في الواقع".

 

عندما تدرك مدى التقدم الذي يمكن أن يحرزه البشر خلال حياتهم في كل شيء انطلاقًا من النمو الاقتصادي مرورًا بالاختراقات الطبية، ومكاسب سوق الأسهم، ووصولًا إلى المساواة الاجتماعية، فستعتقد أن التفاؤل سيحظى باهتمام أكبر من التشاؤم، لكن الجاذبية الفكرية للتشاؤم معروفة منذ زمن بعيد.

كتب جون ستيورات ميل في أربعينيات القرن التاسع عشر: "لقد لاحظت أن الشخص الذي يحظى بإعجاب فئة كبيرة من الناس كونه حكيمًا هو المرء الذي يغمره اليأس عندما يتفاءل الآخرون، وليس المرء الذي يتفاءل عندما ييأس الآخرون".

والسؤال المطروح هنا هو: لماذا؟ وكيف يمكن لهذا أن يؤثر في طريقة تفكيرنا حول المال؟

***



[1] The Rational Optimist

[2] Factfulness

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تعالوا نتعرف على كريشنامورتي

بقلم: كنان القرحالي ولد جِدّو كريشنامورتي في الهند عام 1895 في بلدة مَدَنَبلِّي الصغيرة جنوب الهند من أبوين براهمنيين، توفيت والدته وهو ما يزال في العاشرة، وأحيل والده إلى التقاعد ليعيش كريشنامورتي وسط الفقر والفاقة، فنشأ خجولاً انطوائياً، على أنّ والده لحظَ لديه قدرةً غريبةً على الانتباه، إذ لفته تأمل كريشنامورتي الطويل في تشكّل غيوم السماء، محدّقاً في النباتات، أو متربعاً يرصد سلوك النمل. وبعد وفاة الأم انتقلت الأسرة إلى ناحية أدِيار القريبة من مدينة تشيناي، وهناك لفتَ كريشنامورتي وشقيقه نيتيانندا أنظار القائمين على الجمعية الثيوصوفية، وهي منظمة فلسفية روحية تدعو إلى الأخوة الإنسانية الشاملة، إذ لمسوا المواهب والقدرات الروحية الكامنة في الشقيقين، فأخذوا بتدريبهما لكي يكونا معلمَين روحيين، وفي العام 1911 قامت رئيسة الجمعية بتأسيس أخوية "النجمة في الشرق" ونصّبوا كريشنامورتي زعيماً روحياً لها وجعلوا نيتيانندا تلميذه الأوّل. انتقل كريشنامورتي وشقيقه إلى أوروبا بعد إتمامه سنّ السادسة عشر، حيث أقاما في ضواحي باريس، ثم إنكلترا، وفي العام 1922 سافر كريشنامورتي إ...

مبدأ 20-80 الخارق: طريقك إلى النجاح والثراء

Pareto principle مبدأ باريتو ت: كنان القرحالي طوّر الفكرة الاقتصادي الإيطالي فيلفريدو باريتو في أوائل القرن العشرين إثر ملاحظته لنمط يحدث بصورة طبيعية في جميع جوانب الحياة تقريباً، وهو يشير باختصار إلى أن 20% من أي مجموعة مسؤولة عن 80% من نجاح المجموعة في أي فئة معيّنة.     - يُنتج 20% من العمال 80% من المنتج   - يبيع 20% من فريق المبيعات 80% من المبيعات   - تجلب 20% من المنتجات 80% من الإيرادات   - يمتلك 20% من السكان 80% من الثروة - يفوز 20% من الفرق في الدوري بـ 80% من البطولات إن هذا المبدأ يتعارض مع غرائز معظم الناس لأننا نميل إلى افتراض العدالة والمساواة، فإذا عمل خمسة أشخاص في فريق ما نفترض أنهم سيتشاركون العبء بالتساوي، لكن الحقيقة هي أنهم لن يفعلوا هذا.    وإذا احتجنا إلى جمع 10,000 دولاراً من مجموعة من عشرة مانحين نظن أنه إذا تبرّع كل شخص بمبلغ 1000 دولاراً سنحصل على المبلغ المطلوب، لكن الأمور لا تجري بهذه الطريقة على الإطلاق لأن بعض الناس لن يقدّموا شيئاً، وعادة ما نحصل على حوالي 8,000 دولاراً من شخصين فقط في المجموعة.  ...

اقتباسات رائعة من كتاب إنسان مفرط في إنسانيته

كتاب إنسان مفرط في إنسانيته فريدريك نيتشه ترجمة: كنان القرحالي   نهتفُ لمن يجري في السباق لا لمن وصل خط النهاية -- "كلما كان المرء أكثر قوةً وقف القانون إلى جانبه." ** "إنّ انغماس الناس العميق في شؤونهم الخاصة يُبعدهم عن فعل السوء." ** "الفضيلة إنْ غفت تستيقظُ أقوى." ** "لا يخجل الناس من الأفكار الفاحشة بحدّ ذاتها، لكنهم يخجلون من أن ينسبها الآخرون لهم." ** لا يشعر الإنسان بالندم ولسعات الضمير لأنّه حرٌّ، بل لأنّه يعتبر نفسه حرّاً. -----   تُصدِّق الناس حقيقةَ ما يكون موضع اعتقادٍ راسخٍ لدى الآخرين. ---- "يضفي نجاحُ فعلٍ ما امتيازاً وشرفاً له حتى إن كان غير ذي قيمةٍ، في حين يلقي الفشل بظلاله على أكثر الأفعال نبلاً وقيمةً، ومن هنا يظهر القول المألوف لرجل السياسة: "أعطني النجاح فحسب، فيه أظفرُ بالنفوس النبيلة إلى جانبي، بل وأجعلُ من نفسي نبيلاً، حتى في عينيَّ أنا!" وبطريقةٍ مماثلةٍ سيُشكّل نجاح فكرةٍ ما ذريعةً لاستبدالها بفكرةٍ كانت أفضلَ منها." ** "يُعتقَدُ أنّ السفينة البشرية بحاجةٍ إ...